السيد محمد تقي المدرسي

17

من هدى القرآن

الهدف من أقصر السبل وأسرعها ، فمثلًا الضوء والصوت والحرارة وموجات المذياع ، تتحرك عبر أقرب وأفضل الخطوط ، وعندما تتعارض القوى فإنَّ الطاقة المغناطيسية أو الكهربائية أو الطاقة الحركية للأجرام السماوية في مداراتها الفلكية تختار أقصر الخطوط المنحنية في الانتقال وهكذا فإنَّ الطبيعة لا تحب التراخي والتباطؤ في أداء الأعمال ولا الالتواء في المسير إلى الهدف وهكذا السبل القرآنية ، وهذا التطابق بين السنن القرآنية والسنن الكونية دليل على وحدانية الخالق ورحمانيته ، وأن له الحمد في الأولى والآخرة . الكتاب القيم [ 2 ] قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً كتاب الله كتاب متكامل وحكيم ، فهو يجعل الأمور في مواقعها ويعطي كل شيء حقه ، بنسبة حاجته إليه دون زيادة أو نقصان . وربما تشير كلمة قَيِّماً إلى هذه الفكرة ، وهي أن كل نظرة وكل حكم شرعي وبالتالي كل وصية وموعظة فيه إنَّما هي بقدر الحاجة ، وبنسبة الواقع الخارجي ، وبموازين دقيقة . فمثلًا حين يقول القرآن أن الزوج يرث نصف مال زوجته بعد موتها إن لم تخلف ولداً وراءها ، فلا يعني ذلك إلا أن هذه الحصة تتطابق مع حكمة الحياة ومع واقعيات الاقتصاد الأسري ، مع حاجة الزوج وطبيعة العلاقة التي تربط الزوج بالزوجة ، أيَّ إن هذا الحكم متطابق تماماً مع كل الظروف المحيطة به دون زيادة أو نقصان . وهناك تفسير آخر لهذه الكلمة وهي أن القرآن ليس فقط رشيداً وحكيماً ومتكاملًا في ذاته ، وإنما هو أيضاً يعطي التكامل والحكمة للحياة ، ويقيمها على أساس منظم ومتين دون أي خل - ل أو ثغرة ، كما قال ربنا سبحانه : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [ لروم : 43 ] وقيمومة الكتاب . والدين الإلهي ، نابعة من قيمومة الرب سبحانه حيث يقول تعالى : اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] فكل شيء يقوم به الرب في عالم التكوين . وكل شيء يصلح بكتابه في عالم التشريع . ولأنَّ الكتاب قيّم فهو يحفظ رسالات الله جميعاً . لأنَّه مهيمن عليها . ويحفظه الله من التحريف . ويحفظ به أمة الإسلام .